ابن عجيبة
40
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ صنع المنافقين ، الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي : يقعون فيه سريعا ، فيظهرونه إن وجدوا فرصة ، ثم بينهم بقوله : مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا ، قالوه بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ، فلا يهولنّك شأنهم ولا تحتفل بكيدهم ، فإن اللّه سيكفيك أمرهم . الإشارة : من شأن العارفين بالله تذكير عباد اللّه ، ثم ينظرون إلى ما يفعل اللّه ، فلا يحزنون على من لم تنفعه الموعظة ، ولا يفرحون بسبب نجاح موعظتهم ، إلا من حيث موافقة رضا ربهم ، فهم في ذلك على قدم نبيهم ، آخذين بوصية ربهم . واللّه تعالى أعلم . ثم رجع إلى عتاب اليهود ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 42 إلى 43 ] سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 ) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) قلت : ( ومن الذين هادوا ) : يحتمل أن يكون عطفا على ( الذين قالوا ) أي : لا يحزنك شأن المنافقين واليهود ، و ( سماعون ) : خبر ، أي : هم سماعون ، ويحتمل أن يكون استئنافا ، فيكون ( سماعون ) : مبتدأ على حذف الموصوف ، و ( من ) : خبر ، أي : ومن الذين هادوا قوم سماعون ، واللام في : ( للكذب ) : إما مزيدة للتأكيد ، أو لتضمين السماع معنى القبول ، وجملة ( لم يأتوك ) : صفة لقوم ، وجملة ( يحرفون ) : صفة أخرى له . يقول الحق جل جلاله : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا صنف سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي : كثيروا السماع للكذب والقبول له ، وهم يهود بني قريظة ، سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ وهم يهود خيبر ، لَمْ يَأْتُوكَ أي : لم يحضروا مجلسك ، تكبرا وبغضا ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أي : يميلونه عن مواضعه الذي وضعه اللّه فيها ، إما